نيوم: دليل شامل للمشاريع والمناطق وأبرز الوجهات

أصبحت السعودية مقصدًا لمن يبحث عن المشاريع المتطورة والريادية في أي مجال. فقد ساهمت رؤية المملكة 2030 بدفع عجلة التطور وتسريع هذه العمليات بوقت قياسي. ولكن السرعة ليست كل شيء، بل إن الاتقان أيضًا يأخذ نصيب الأسد من التفوق السعودي في مجالات التطوير. ومن المشاريع التي أخذت حيزًا وانتباهًا إعلاميًا هي مشاريع نيوم، إذ أنها لم تدخل السوق بهدف البناء والتطوير فحسب، بل كان الابتكار جزءًا لا يتجزأ  من مسيرتها ورؤيتها. وفي هذا المقال سنتعرف على أبرز مشاريع نيوم التي غيرت وجه سوق التطوير السعودي.

ما هي نيوم؟

في غرب شمال المملكة العربية السعودية، وتحديدًا على امتداد البحر الأحمر وخليج العقبة، تقبع مدينة التطوير العقاري المستقبلية الضخمة: نيوم. فـ”نيوم” فضلًا عن كونها إحدى أبرز المدن التطويرية لرؤية المملكة 2030، هي أيضًا مدينة تهدف إلى بناء نموذج جديد للحياة الحضرية بمجالات متعددة كالسياحة والاقتصاد، نموذج يعتمد في أساسه على الابتكار، والاستدامة، والتقنيات الحديثة.

 

ولكن وعلى عكس الشائع، فنيوم ليست مدينة واحدة، بل هي منطقة متكاملة تضم عدة مشاريع ووجهات رئيسية سنتعرف عليها في قسم أبرز المشاريع. أما عن مساحتها، فتمتد نيوم على مساحة تقارب 26,500 كيلومتر مربع، ما يجعلها واحدة من أكبر المشاريع التنموية في العالم.

رؤية نيوم ودورها في مستقبل السعودية

تعد نيوم اليوم واحدة من أبرز ملامح التحول الذي تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيقه ضمن رؤية 2030، فهي نموذج مستقبلي يهدف إلى إعادة تصور أسلوب الحياة والعمل والسياحة والاستثمار في المملكة. وكما أسلفنا، كانت الفكرة الأساس التي نشأت عليها نيوم هي بناء منطقة تجمع بين الابتكار، والاستدامة، وجودة الحياة، مع الاعتماد على التقنيات الحديثة والحلول البيئية المتقدمة لصناعة وجهة قادرة على المنافسة عالميًا.

 

ووفقًا للموقع الرسمي لنيوم، ترتكز هذه المدينة الضخمة على مجموعة من القيم التي تعكس طبيعة المشروع وطموحه، مثل الجرأة في تجربة ما لم يُنجز من قبل، والمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع، والبحث المستمر عن طرق أفضل للعمل والتطوير، إضافة إلى الالتزام، والاحترام، وتقبّل التنوع الثقافي. وهذه القيم هي ما تجعل نيوم مشروعًا قائمًا على الإنسان بقدر ما هو قائم على البنية التحتية، حيث تسعى إلى خلق بيئة تشجع الإبداع، وتدعم التعاون، وتحترم الاختلاف، وتضع الاستدامة في قلب قراراتها.

 

أما على مستوى مستقبل السعودية، فتؤدي نيوم دورًا مهمًا في دعم تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط، من خلال تطوير قطاعات جديدة مثل السياحة، والطاقة المتجددة، والصناعة المتقدمة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والبحث والابتكار. كما تهدف إلى جذب الاستثمارات والمواهب العالمية، وفتح آفاق جديدة للوظائف والفرص الاقتصادية. وبذلك، يمكن النظر إلى نيوم باعتبارها منصة وطنية لاختبار أفكار المستقبل وتطبيقها على أرض الواقع، ومشروعًا يعكس طموح السعودية في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، ومجتمع أكثر حيوية، ووجهة عالمية تجمع بين الطبيعة، والتقنية، والإنسان.

ما أبرز المشاريع التي قامت بها نيوم؟

بعدما تعرفنا على الفكرة وراء نيوم، سنتسعرض المشاريع الخلاقة التي اشتهرت بها هذه المدينة:

● ذا لاين: المدينة المستقبلية الأكثر شهرة في نيوم

تُعد ذا لاين أشهر مشاريع نيوم وأكثرها ارتباطًا بالصورة العالمية للمشروع، إذ قُدمت كمدينة مستقبلية تعتمد على نموذج عمراني خطّي يركّز على جودة الحياة، وتقليل الاعتماد على السيارات، ودمج المساحات الحضرية مع الطبيعة. وتصف نيوم ذا لاين بأنها نموذج جديد للتطوير الحضري، يقوم على مفهوم قابلية العيش والاستدامة ضمن بيئة طبيعية تجمع بين الجبال والصحراء والساحل.

 

ولكن وعلى الرغم من أنه لا يوجد إعلان رسمي بإلغاء ذا لاين، إلا أن المشروع يشهد إعادة هيكلة كبيرة مع احتمالية تقليص الحجم والسعة الاستيعابية اللذين أُعلن عنهما سابقًا. كما تشير تقارير حديثة إلى أن المشروع يخضع لإعادة تصميم، مع تركيز أكبر على مراحل قابلة للتنفيذ بدل التصور الكامل الممتد لمسافة 170 كيلومترًا مع احتمالية، كما تشير بعد المصادر إلى توقف البناء إلى بعد 2030 على الأقل.

● أوكساجون: مركز الصناعة والابتكار والخدمات اللوجستية

تمثل أوكساجون الذراع الصناعية واللوجستية في نيوم، وتعد أكبر مدينة صناعية عائمة في العالم، كما أنها من أكثر مناطق المشروع تقدمًا من حيث البنية التشغيلية. تقع هذه المدينة على ساحل البحر الأحمر بالقرب من قناة السويس بنفذ خاص بها أطلق عليه اسم ميناء نيوم. وستتمحور هذه المدينة على الصناعات المتقدمة، والطاقة النظيفة، والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد. وتصف نيوم أوكساجون بأنها مدينة صناعية ناشئة بمساحة تطوير أساسية تبلغ 48 كيلومترًا مربعًا، وترتكز على مينائها الذي سيربط المنطقة بأسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا، بالإضافة إلى مطار متقدم خاص بها.

 

تبدو أوكساجون حتى اللحظة من أكثر مشاريع نيوم نشاطًا وواقعية في المرحلة الحالية، وستتميز بأول نظام بيئي متكامل لسلسلة التوريد والموانئ في العالم؛ حيث سيتم توحيد تشغيل جميع مرافق المدينة الصناعية لتوفير مستويات إنتاجية عالمية مع انبعاثات كربونية صفرية. كما تذكر نيوم أن المنطقة تضم مشاريع رئيسية مثل ميناء نيوم وشركة نيوم للهيدروجين الأخضر، ما يجعلها محورًا اقتصاديًا مهمًا ضمن توجه المملكة نحو الصناعة والطاقة المتجددة والاقتصاد المعرفي.

● تروجينا: الوجهة الجبلية والسياحية في نيوم

ولا تقتصر نيوم على الاقتصاد والاستثمار، بل من إحدى أبرز توجاهتها هي السياحة، وتروجينا هي خير مثال على ذلك. فهي مدينة تستغل البيئة الطبيعية للمملكة من حيث استغلال الطبيعة الجبلية. إذ تقع هذه الوجهة على سلسلة جبال اللوز على ارتفاعات تصل إلى نحو 2,600 متر فوق سطح البحر. وتجمع بين الطبيعة الجبلية، والأنشطة الخارجية، والمنتجعات، والتجارب الرياضية والترفيهية لتكون وجهة سياحية على مدار العام. وتبرز أهميتها لأنها تقدم صورة مختلفة عن السياحة في السعودية، بعيدًا عن الوجهات الصحراوية والساحلية التقليدية، من خلال التركيز على المناخ الجبلي والتنوع الطبيعي.

● جزر نيوم: وجهات بحرية فاخرة على ساحل البحر الأحمر

أما عن البحر الأحمر، فلا يخفى على أحد أنه ثروة سمكية وطبيعية كبيرة، إذ يضم أكثر من ألف نوع من الأسماك والثدييات والحيوانات البحرية، وأكثر من 300 نوع من المرجان. ولهذا كان موقف نيوم من استغلال هذه الثروة الطبيعية جريئًا؛ إذ أُنشأت جزر نيوم التي تتكون من مجموعة من الوجهات البحرية الواقعة ضمن النظام البيئي الغني للبحر الأحمر، عند نقطة التقاء آسيا وأفريقيا وأوروبا. وهي اليوم وجهة قائمة على الجمال البحري، والشعاب المرجانية، والحياة البحرية، وتجارب الضيافة الفاخرة.

ويجدر بنا الإشارة إلى أن نيوم مدفوعة برؤيتها في الحفاظ على الثروة الطبيعية للمملكة، فهي تُعنى بالحفاظ على الحياة الطبيعية والبيئة، ولهذا تعد مشروعًا صديقًا للبيئة.

● ماغنا: الوجهة الساحلية على خليج العقبة

وبالحديث عن البحر الأحمر والوجهات السياحية على خليج العقبة لا بد أن نتطرق لماغنا المنطقة الساحلية الجديدة في نيوم والتي تمتد على طول نحو 120 كيلومترًا من الساحل، حيث تلتقي الجبال والوديان والبحر في مشهد طبيعي مميز. وتقدمها نيوم كوجهة ساحلية تجمع بين الطبيعة، والسياحة الفاخرة، والتجارب الهادئة، مع التركيز على الحفاظ على البيئة والمشهد الطبيعي للمنطقة.

● محمية نيوم الطبيعية: حماية البيئة وإعادة الحياة البرية

وكما ذكرنا في السابق، تُعنى نيوم بالحفاظ على الثروة الطبيعية للمكان وإثرائها، وبالتالي تأتي محمية نيوم الطبيعية كامتداد طبيعي لهذا النهج. يركز هذا المشروع على حماية المناظر الطبيعية، وإعادة تأهيل الموائل، وإحياء الحياة البرية في شمال غرب السعودية؛ إذ أن نيوم تعمل على حماية 95% من أراضي المنطقة للطبيعة، مع إعادة إدخال أنواع حيوانية وبناء أنظمة بيئية قادرة على الاستمرار. كما أعلنت نيوم سابقًا عن إطلاق مبادرات لإعادة المها العربي إلى المنطقة ضمن جهود إعادة الحياة الفطرية.

الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر في نيوم

يسطع نجم نيوم في مجال الاستدامة واستخدام الطاقة النظيفة، إذ تسعى المنطقة إلى بناء نموذج تنموي يعتمد على مصادر الطاقة النظيفة، ويقلل من الانبعاثات الكربونية. ويبرز مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر كأحد أهم مشاريع الطاقة النظيفة في المنطقة، وهو مشروع مشترك بين نيوم وأكوا باور وإير برودكتس. يهدف المشروع إلى إنتاج ما يصل إلى 600 طن من الهيدروجين الأخضر يوميًا، بالاعتماد على نحو 4 جيجاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ثم تحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء قابلة للتصدير إلى الأسواق العالمية. وتشير شركة نيوم للهيدروجين الأخضر إلى أن هذا الإنتاج يمكن أن يسهم في خفض ما يصل إلى 5 ملايين طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا. وقد أعلنت شركة نيوم للهيدروجين الأخضر في يونيو 2025 أن المشروع وصل إلى 80% من الإنجاز في بداية الربع الأول من عام 2025، بما يشمل منشأة الهيدروجين، ومزرعة الرياح، ومحطة الطاقة الشمسية، وشبكة النقل. كما توضح أكوا باور أن أصول الطاقة الشمسية والرياح بقدرة 4 جيجاواط من المقرر اكتمالها في منتصف عام 2026، على أن يبدأ تشغيل أجهزة التحليل الكهربائي بعدها، مع توقع إتاحة أول منتج في عام 2027.

وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه لا يخدم نيوم وحدها، بل يدعم طموح السعودية في أن تصبح لاعبًا عالميًا في إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة. كما يعزز توجه المملكة نحو تنويع الاقتصاد، وتطوير صناعات مستقبلية مرتبطة بالنقل النظيف، والصناعة منخفضة الكربون، وسلاسل الإمداد المستدامة.

مستقبل نيوم: بين الطموح والتحديات

يمثل مستقبل نيوم مزيجًا بين الطموح الكبير والتحديات الواقعية. فمن جهة، ما تزال نيوم واحدة من أبرز مشاريع رؤية السعودية 2030، إذ صُممت لدعم تنويع الاقتصاد السعودي، وتطوير قطاعات جديدة مثل السياحة، والطاقة المتجددة، والصناعة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية. وتصف نيوم نفسها بأنها “منطقة قيد التشكيل” في شمال غرب السعودية، تهدف إلى دعم تنويع اقتصاد المملكة وتقديم حلول عمرانية جديدة تتيح للإنسان والطبيعة الازدهار معًا.

لكن في المقابل، لم يعد من الدقيق الحديث عن نيوم وكأن جميع مشاريعها تسير بالحجم والجدول الزمني اللذين أُعلنا في البدايات. فخلال السنوات الأخيرة، ظهرت مؤشرات واضحة على إعادة ترتيب الأولويات، خصوصًا مع ارتفاع التكاليف، وضخامة البنية التحتية المطلوبة، والحاجة إلى تحقيق عوائد اقتصادية أكثر وضوحًا. وتشير تقارير حديثة إلى أن بعض أجزاء نيوم، وعلى رأسها ذا لاين، أُعيد تقييم نطاقها، مع التركيز على مراحل أصغر وأكثر قابلية للتنفيذ بدل التصور الكامل طويل المدى.

ورغم هذه التحديات يبدو أن المشروع يدخل مرحلة أكثر واقعية، تقوم على إعادة الهيكلة، وترتيب الأولويات، والتركيز على القطاعات الأكثر قابلية للتنفيذ مثل أوكساجون، وميناء نيوم، والهيدروجين الأخضر، والطاقة المتجددة، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة.

الأسئلة الشائعة