المدينة المنورة: رحلة سياحية بين السكينة الدينية والمعالم التاريخية في طيبة الطيبة

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:  المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا.»
للمدينة المنورة مكانة خاصة في قلوب المسلمين؛ فهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها مسجده المبارك الذي تشد الرحال إليه، وقد كانت البؤرة التي انطلق منها ديننا الحنيف ليصل إلى كل بقاع العالم. وفي رحابها يشعر الزائر بالطمأنينة التي تغلف قلبه، والسكينة اللذيذة التي تسري في عروقه؛ فهو بجوار الحبيب، ويقف حيث وقف الصحابة الكرام.

تستقبل المدينة ملايين الزوار كل عام، جلّهم قدموا سعيًا بهدف السياحة الدينية. لذا، في هذا المقال، سنستعرض أهم الأماكن التاريخية والدينية والثقافية التي شكّلت معالم المدينة المنورة حتى يتسنى لك التخطيط لرحلتك بوعي.

المسجد النبوي الشريف: قلب المدينة وروحها

عن أبي هريرة عن النبي محمد قال: «صلاةٌ في مسجدي هذا، خيرٌ من ألفِ صلاةٍ في غيرِه من المساجدِ، إلا المسجدَ الحرامَ»

في الإسلام، يحتل المسجد النبوي المرتبة الثانية بعد المسجد الحرام من حيث الفضل والأجر، فصلاة واحدة في المسجد النبوي تعدل ألف صلاة في غيره كما ورد في الحديث، كما أنه من المساجد التي أمر النبي بشد الرحال إليها.

وهو ثاني مسجد بُني في الإسلام وقد كان أول فعل قام به الرسول بعد وصوله إلى المدينة التي كانت تسمى يثرب آنذاك. إذ تسابق الأنصار على دعوة الرسول لاستضافته عندهم، ولكنه أمرهم بترك ناقته تحدد مكان بيته ومسجده، إذ قال لهم “خلوا سبيلها فإنها مأمورة”. وقد سارت الناقة إلى أن بركت في أرض لغلامين يستخدمانها لتجفيف التمور، فأمر الرسول بحضورهما ليشتري الأرض منهما، وعلى الرغم من أن الغلامين وهبا الأرض للنبي، إلا أنه أصر على شرائها. وقد وضع الرسول أول حجر لبناء المسجد بنفسه، وتعاون الصحابة معه جميعًا وهم يرددون “اللهم إن العيش عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة” في صورة من التعاضد والتآزر بين المسلمين رسمها الرسول منذ اليوم الأول.

وفي وقتنا الحالي، أولت الجهات المسؤولة في المملكة العربية السعودية اهتمامًا بالغًا للمسجد النبوي. فكان أول صرح تصله الكهرباء في عام 1909، وقد توالت أعمال التوسعة عليه ليتسع لجميع الزوار. ويشمل المسجد النبوي اليوم الروضة الشريفة، وحجرة النبي التي تضم قبر الرسول وصاحبيه أبو بكر وعمر، وعدة محاريب كالمحراب النبوي والمحراب العثماني والمحراب السليماني، والمنبر النبوي، والأساطين، وعدد من الساحات المظللة بمظلات ذكية تقي المصلين من الشمس والمطر، وسبع وعشرون قبة متحركة، وأبواب متعددة، وعشر مآذن شاهقة. إضافة إلى مكتبة تضم آلاف الكتب والمخطوطات التاريخية وخدمات سقيا زمزم من حافظات معبأة ومرافق خدمات تحت الأرض كدورات المياه ومواقف السيارات عدة لتسهل على المصلين الوصول إلى المسجد لأداء العبادات.

معالم تاريخية تحكي سيرة الإسلام

وبالإضافة إلى المسجد النبوي، تضم المدينة المنورة عددًا من المعالم التاريخية الدينية التي تروي قصة انتشار الإسلام. إذ ما زالت هذه المعالم واقفة إلى يومنا هذا كشاهد حي أنّ دينًا عظيمًا انبثق من هذه النقطة. ومن هذه المعالم:

جبل أحد ومسجد سيد الشهداء

جبل أحد هو سلسلة جبلية تحيط بالمدينة المنورة ويمتد على مدى سبع كيلومترات. وقد شهد أحداث غزوة أحد التاريخية التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة في شهر شوال، حيث تواجه فيها المسلمون والمشركون، وقد ذكر النبي أن “أحدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه”. وفي هذه الغزوة تكبّد المسلمون خسائر عدة واستُشهد عدد من كبار الصحابة أبرزهم حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي، وحنظلة بن أبي عامر “غسيل الملائكة”، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح، وغيرهم. وقد دفن الشهداء في مقبرة الشهداء بالقرب من موقع الغزوة ويزورهم المسلمون إلى يومنا هذا بهدف استذكار أحداث الغزوة واستشعار الصعوبات التي مرّ بها الرسول وصحابته لنشر الدعوة، وللدعاء لهم. وقد بني في الموقع مسجد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب في عام 2017 وهو مسجد ضخم ويعد من أبرز معالم المدينة، ويتسع لخمسة عشر مصليًا.

مسجد قباء

وهذا أول مسجد بُني في الإسلام، وقد بناه الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة حين نزل في ديار بني عمرو بن عوف قبل وصوله إلى المدينة المنورة. وقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم حجر الأساس للجامع بنفسه وكان يزوره من حينٍ إلى آخر للصلاة فيه حتى بعد بناء المسجد النبوي. ويعتبر أفضل مسجد في الإسلام بعد المساجد الثلاثة وتعادل الصلاة فيه أجر عمرة لمن تطهر في بيته وقصده بهدف العبادة، وقد شهد الله له بأنه مسجد بُني على التقوى في قوله تعالى {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}.

مسجد القبلتين

أما مسجد القبلتين فهو من أبرز المساجد التاريخية في المدينة المنورة ويقع شمال غرب المسجد النبوي. ويشتهر بأنه المسجد الذي نزل فيه الوحي بتغيير اتجاه القبلة أثناء صلاة الظهر، حيث صلى الرسول ركعتين باتجاه المسجد الأقصى ثم استدار وأكمل الصلاة باتجاه الكعبة.

بقيع الغرقد

قد اختار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقع ليكون أول خطوة في الطريق إلى الجنة للصحابة، وهو المكان الذي دفن فيه أكثر من عشرة آلاف من الصحابة ولهذا سُميّ المكان جنة البقيع. وقد دُفن فيها عدد من أمهات المؤمنين وبنات النبي وابنه إبراهيم وعدد من الصحابة والصحابي عثمان بن عفان. ويمكن زيارة هذه المقبرة للدعاء لأهلها.

الأسواق الشعبية وتجربة المدينة الثقافية

كما تشتهر المدينة المنورة بالعديد من الأسواق الشعبية التي تربط عمق التاريخ بالحاضر وتأخذ الزائر في رحلة تتحدى حدود الزمن. إذ كانت المدينة المنورة قبل الإسلام وكانت تُسمى يثرب وقتئذ مركزًا تجاريًا وزراعيًا مهمًا في الجزيرة العربية، وقد حافظت المدينة على هذا المركز بعد الإسلام أيضًا. ولهذا نجد في المدينة أسواقًا ضاربة في القدم والعراقة مثل سوق سويقة القديم الذي يبلغ عمره 430 عاماً، وسوق المناخة التاريخي، وسوق بلال. وتوفر هذه الأسواق تجربة عفوية لشراء التمور، والعطور، والمنتجات الحرفية لتنقل للزائر تجربة مميزة للمدينة المنورة من زاوية جديدة.

طيبة الطيبة… مدينة تجمع الإيمان والتاريخ

وبهذا تكون المدينة المنورة من المدن التي تجمع بين السياحة الدينية والثقافية. إذ تمنح المساجد المتعددة والمقابر التاريخية والأسواق الشعبية إضافة إلى مواقع الغزوات الزائر الفرصة للسفر عبر الزمن. وأخيرًا تنبع قيمة المدينة المنورة من القيمة العظيمة لها في الدين الإسلامي، ففي رحابها يقف المسجد النبوي الشريف شاهدًا على مكانة هذه المدينة في قلوب المسلمين، بينما تحكي معالمها التاريخية، مثل مسجد قباء ومسجد القبلتين وجبل أحد والبقيع، قصصًا خالدة من سيرة الإسلام وبداياته الأولى.

وهكذا تظل طيبة الطيبة وجهة يتجدد فيها الشعور بالطمأنينة، وتبقى مدينة تجمع في تفاصيلها بين قدسية المكان وعمق التاريخ، لتمنح كل من يزورها تجربة لا تُنسى في قلب العالم الإسلامي.